|
فى كل مجال أناس
يدركون أن صناعة البشر أعرض أثرا وأبقى ذكرا من تأليف وصناعة الكتب.. وطريقهم
إلى ذلك هو طبع فكرهم وأسلوبهم ومنهجهم فى عقول وأفئدة التلاميذ الذين ينشرون
هذا الفكر وذلك الأسلوب، ويفخرون بأنهم من تلاميذهم...
ومحمد شفيق غربال واحد
من هؤلاء الذين اهتموا بصناعة التلاميذ، وتأسيس المنهج، وتعبيد الطريق لمن بعده..
وكان تلاميذه يفخرون ويتباهون بالتلمذة على يديه، ويعدون ذلك أفضل مسوغات
قبولهم.
شـفيـق غـربــال وصناعـة المـؤرخـيـن
محمد شفيق غربال أحد
علماء مصر القلائل الذين استطاعوا تأسيس مدرسة خاصة فى مجال الدراسات التاريخية
تحمل طابعه وتسير على منهاجه. ولد عام 1894 بمدينة الإسكندرية، وبعد أن أتم
دراسته الثانوية عام 1912 التحق بمدرسة المعلمين العليا بالقاهرة وتخرج فيها عام 1915، واختير يومئذ
للبعثة لدراسة التاريخ بإنجلترا، فلم تمنعه أخطار الحرب العالمية الأولى من
السفر والالتحاق بجامعة ليفربول حيث درس التاريخ، والاقتصاد، والفلسفة،
والجغرافيا، ومناهج البحث، وطريقة العمل فى الوثائق، وفى عام 1919 حصل على درجة
البكالوريوس الممتازة فى التاريخ الحديث، ثم حصل على الماجستير من جامعة لندن
تحت إشراف المؤرخ العالمى ارنولد توينبى عام 1924.
ولما عاد غربال إلى مصر
عين عام 1924 أستاذا للتاريخ الحديث فى مدرسة المعلمين العليا، وفى أكتوبر عام
1929 عين أستاذا مساعدا للتاريخ فى كلية الآداب بالجامعة المصرية، وما لبث أن رقى بها أستاذا للتاريخ الحديث عام
1935 فى وقت كان الأساتذة الأجانب يحتلون أكثر كراسى التدريس، فكان غربال أول
مصرى يتولى منصب "الأستاذية" بالجامعة.
وفى مايو عام 1939 عين
غربال وكيلا لكلية الآداب ثم انتخب عميدا لها، وعندما نقل غربال من الجامعة إلى
وزارة المعارف كمستشار فنى للوزارة عام 1940 لم تقطع صلته بالتدريس، بل استمر فى
إلقاء محاضراته تارة كأستاذ منتدب وتارة أخرى كأستاذ غير متفرغ واستمر يجمع بين
العملين، ولما عاد للعمل إلى الجامعة فى ديسمبر 1942 أحس بأنه عاد إلى مكانه
الطبيعى فأعطى كلية الآداب كل جهده وتابع تلاميذه ومكنهم من البحث العلمى.
ورغم أعباء المناصب
الإدارية التى تولاها غربال داخل الجامعة وخارجها فإن ذلك لم يصرفه عن مواصلة
دراساته التاريخية فاستمر دارسا للتاريخ باحثا فيه متعمقا فى موضوعاته، كما كان
تلاميذه يلتفون حوله فى الجامعة وفى الجمعية المصرية للدراسات التاريخية التى
أنشئت بفضل جهوده عام 1945 والتى كانت ربيبته القريبة من نفسه، وكان له اليد
الطولى فى إيجاد مكانة مرموقة لها بين زميلاتها من الجمعيات المهتمة بالبحث
التاريخى فى العالم.
"هؤلاء
أهم مؤلفاتى"
كان غربال يعتز كثيرا
بطلابه لدرجة أنه عندما سأله أحد الصحفيين عن مؤلفاته التى يعتز بها أشار إلى طلابه
الذين كانوا يعدون الرسائل العلمية تحت إشرافه وكانوا بجواره قائلا "هؤلاء
أهم مؤلفاتى".
شفيق
غربال وتمصير التاريخ
وتمصير الدراسات
التاريخية فى مصر يرتبط أشد الارتباط بشفيق غربال والدليل على ذلك ما قام به
الملك فؤاد من دعوة بعض المؤرخين الأجانب لكتابة تاريخ مصر وتمجيد أسرة محمد على
والدفاع عن تصرفاتها، وعندما عاد المؤرخ شفيق غربال من بعثته كان عليه أن يقوم
بمهمة تمصير التاريخ المصرى، وقد استطاع ذلك بمهارة فنقل مركز الثقل فى الدراسات
التاريخية من يد القصر إلى يد الجامعة ومن أيدى الأجانب إلى أيدى المصريين.
وقد مثل شفيق غربال مصر
فى عدة مؤتمرات تاريخية، ورأس وفد مصر فى الجمعية العمومية لليونسكو وكان عضوا
بمجلسها التنفيذى، كما كان عضوا عاملا فى كثير من الهيئات والجمعيات العلمية
والثقافية التى انتفعت بمواهبه ومنها مجمع اللغة العربية، والجمعية الجغرافية،
وجمعية الاقتصاد والتشريع، والمجمع العلمى المصرى، وجمعية الآثار القبطية،
والمجلس الأعلى للآثار، ولجنة التاريخ والآثار، ثم لجنة الترجمة بالمجلس الأعلى
لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، ثم مجلس جامعة عين شمس، ومعهد
الدراسات العربية.
وفى عام 1955 وفى السنوات
الأخيرة من حياته تولى غربال منصب مدير معهد الدراسات العربية العالية التابع
لجامعة الدول العربية فبعث فيه الحركة والنشاط، واستطاع النهوض به علميا عن طريق
اختياره صفوة من المؤرخين العرب للتدريس فيه بعد أن كان الكثيرون لا يعرفون قبل
غربال أن هناك معهدا بهذا الاسم، وقد ركز الدراسة فيه على المشاكل والقضايا
العربية المعاصرة، وأخذ يشرف على عدد كبير من الرسائل التاريخية فى هذا المعهد
تناولت تاريخ الأمة العربية فى العصر الحديث والمعاصر.
يضاف إلى ذلك أن شفيق
غربال أشرف على إخراج الموسوعة العربية الميسرة وهى أول دائرة معارف عربية صغيرة
أصدرتها مؤسسة فرانكلين، وقد أتاح له إشرافه على هذا العمل أن يخرج للقراء عملا
عربيا خالصا.
كما برز نشاط غربال فى
لجنة الجغرافيا والتاريخ فى مجمع اللغة العربية وكانت المحاضرات التى يلقيها على
طلابه، والفصول التى كان يكتبها فى مقدمات كتب تلاميذه، ومقالاته التى كان
يكتبها فى المجلات أو يذيعها فى الإذاعة نماذج يحتذى بها للبحوث التاريخية.
ولم يكتف غربال بالتاريخ
الحديث بل تعداه إلى دراسة موضوعات تدخل فى نطاق العصور الوسطى والقديمة فأظهر
استعدادا بارعا فى فن الآثار وكان من أثر ذلك ظهور متحف الحضارة المصرية الذى
قامت على إنشائه لجنة كان غربال أنشط أعضائها وأكثرهم إنتاجا.
وهكذا عاش غربال الحركة
الفكرية فى مصر بكل جوانبها وشارك فيها كعالم فذ بين علماء جيله فترك بصماته على
كافة ميادين المعرفة، وكان من أبرز رواد الفكر الجامعيين فى مجال هام من مجالات الدراسة
الإنسانية، وهو المجال التاريخى.
المصدر : كتاب المجمعيون فى
خمسين عاما.
اعلى
|